الجصاص

340

أحكام القرآن

وقت العصر " ، فغير جائز لأحد أن يجعل وقت العصر وقتا للظهر مع إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن آخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر . وقد نقل الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأوقات عملا وقولا ، كما نقلوا وقت الفجر ووقت العشاء والمغرب ، وعقلوا بتوقيفه صلى الله عليه وسلم أن كل صلاة منها مخصوصة بوقت غير وقت الأخرى . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة : " التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الأخرى " ، ولا خلاف أن تارك الظهر لغير عذر حتى يدخل وقت العصر مفرط ، فثبت أن للظهر وقتا مخصوصا ، وكذلك العصر ، وإن وقت كل واحدة منهما غير وقت الأخرى ، ولو كان الوقتان جميعا وقتا للصلاتين لجاز أن يصلي العصر في وقت الظهر من غير عذر ولما كان للجمع بعرفة خصوصية ، وفي امتناع جواز ذلك لغير عذر عند الجميع دلالة على أن كل واحدة من الصلاتين منفردة بوقتها . فإن احتجوا بقوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) [ الاسراء : 78 ] وأن الدلوك هو الزوال ، وجعل ذلك كله وقتا للظهر إلى غروب الشمس ، لأنه روي في غسق الليل عن جماعة من السلف أنه الغروب . قيل له : ظاهره يقتضي إباحة فعل هذه الصلاة من وقت الزوال إلى غسق الليل ، وقد اتفق الجميع على أن ذلك ليس بمراد وأنه غير مخير في فعل الظهر من وقت الزوال إلى الليل ، فثبت أن المراد صلاة أخرى يفعلها وهي إما العصر وإما المغرب ، والمغرب أشبه بمعنى الآية لاتصال وقتها بغسق الليل الذي هو اجتماع الظلمة ، فيكون تقدير الآية : أقم الصلاة لزوال الشمس ، وأقمها أيضا إلى غسق الليل ، وهي صلاة أخرى غير الأولى ، فلا دلالة في الآية على أن وقت الظهر إلى غروب الشمس . وقد وافق الشافعي مالكا في هذا المعنى أيضا من وجه ، وذلك أنه يقول : " من أسلم قبل غروب الشمس لزمته الظهر والعصر جميعا ، وكذلك الحائض إذا طهرت والصبي إذا بلغ " ، وذهب إلى أنه وإن لم يكن وقت اختيار فهو وقت الضرورة والعذر ، لأنه يجوز على أصله الجمع بين الصلاتين في السفر والمرض ونحوه بأن يؤخر الظهر إلى وقت العصر أو يجعل العصر فيصليها في وقت الظهر معها ، فجعل من أجل ذلك الوقت وقتا لهما في حال العذر والضرورة . فإن كان هذا اعتبارا صحيحا فإنه يلزمه أن يقول في المرأة إذا حاضت في أول وقت الظهر أن تلزمها صلاة الظهر والعصر جميعا ، كما أنها إذا طهرت في آخر وقت العصر لزمتها صلاة الظهر والعصر جميعا ، وقد أدركت هذه التي حاضت في وقت الظهر من الوقت ما يجوز لها فيه الجمع بين الصلاتين للعذر ، وهذا لا يقوله أحد ، فثبت بذلك أن وقت العصر غير وقت الظهر في سائر الأحوال وأنه لا تلزم أحدا صلاة الظهر بإدراكه وقت العصر دون وقت الظهر .